٢٠٠٧-٠٩-٢٥

مخلوقات فدرالية

حفل الأدب العالمي والعربي بنتاجات أبداعية تصور بشكل تحليلي عميق شخصية الانتهازي والمتسلق والوصولي। وتنوع هذا التصوير والمقاربة الجمالية تنوعا كبيرا وصور تلك الشخصية من زوايا مختلفة وحاول رصد تجلياتها وتصنيف ممارساتها والغور في الأبعاد النفسية والأخلاقية لتكوينها الاجتماعي. كذلك حذت السينما والدراما التلفزيونية حذو الأدب فصورت بدورها هذه الشخصية المتعددة الأشكال وقدمت للمشاهدين نماذج مميزة منها. وبالتساوق مع هذه المعالجة كانت السياسة والمقال السياسي قد أدليا بدلوهما في هذا المجال حسب المناسبة والزاوية في الإطارين النظري، الاجتماعي والسياسي، أو في الحالات المحددة والملموسة. لكن ورغم كل هذا الكم الغزير في التناول إلا أن إمكانية الاحاطة بشخصية الانتهازي كانت شبه مستحيلة لأنها شخصية عصية على التصنيف، ليس لقوتها، فالانتهازي هش بطبيعته، وإنما لتلونها وتقلبها، ولأنها تتحرك بسرعة تفوق قدرات النظر المجرد على رصدها بوضوح. وشكل من جانب آخر، هذا التنوع الغزير في مراوغات هذه الشخصية، سببا في العجز عن إمكانية حصرها في عمل نظري علمي يستطيع تصنيفها وتحديد ملامحها ليمكن المجتمع الحد من تداعياتها وآثارها الضارة ، وذلك لاستحالة مواجهتها ومعالجتها جذريا.
نحن ندرك إن الكثير منا يلتقي يوميا بهؤلاء الانتهازيين ولكنه لا يستطيع معرفتهم بسهولة وان عرفهم فهو لا يستطيع أن يثبت أنهم انتهازيون لأنهم يغلفون سلوكهم ويؤطرون اطروحاتهم بغطاء كثيف، ناعم وجذاب في شكله، ليموهوا نواياهم وأهدافهم الحقيقية।

والانتهازيون أصناف وطبقات( يبدو إن أسلافنا من مثقفي الحضارة العربية الإسلامية قد فاتهم التأليف في طبقات الانتهازيين كما ألفوا في طبقات الشعراء والأطباء والفلاسفة ). فمنهم من هم أصحاب خبرة، ومنهم من يعتمد على سليقته، ومنهم من هو خائب ولا يجيد فنون اللعب الانتهازي فينفضح في أول حركة له. والاخيرون مساكين يثيرون الرثاء أكثر من الاستهجان. أما الحاذقون.!.. الله!!.. فهؤلاء لهم ابتكاراتهم الخاصة ولمحاتهم الشخصية التي تؤهلهم لان يكونوا بحق... < أصحاب طريقة>।
شعار الانتهازي الرئيسي هو حكمة عمر الخيام( القافلة تسير فلتنبح الكلاب) فهو لايبالي بما يوجه إليه من نقد وتقويم ولا يقف عند هذه( الخزعبلات) أبدا। فهو يرسم هدفه ويضع خطته وينطلق، ولا يقيم اعتبارا إلا لمن هو ولي لنعمته أو من يمهد له الطريق لأهدافه। وحين نقول انه لايبالي بالنقد فهذا لايعني انه يسكت عمن يدين ويفضح سلوكه ويتركه بسلام، أبدا، فهو سيحاول، من اجل إزالة المعوقات المحتملة من طريقه، إزاحة هؤلاء المنتقدين وإيذاءهم إن اقتضت الحاجة. كما إن مسافة النقد هذه هي التي تحدد الانتهازي الخائب من ذاك (الحريف). فالخائب هو من نوع ركيك سيهتم لما يقال عنه ويرد عليه ويتصارع، بينما المحترفون لا يبالون بأي شيء فالمهم عندهم هو التسلق والوصول إلى الأهداف. وبالمناسبة ليس بالضرورة أن تكون أهداف الانتهازي هي مكاسب مادية ومنافع مباشرة فقد تكون لإشباع رغبة معنوية ونفسية كإشباع حاجة حب الظهور والاستعراض أو ميل غريزي بالتقرب من أصحاب القرار والقوة والتمسح بهم حتى دون مقابل كبير. ويبقى، مهما حاولنا القول والوصف، فإننا سوف نعجز عن الإيفاء في توصيف هذه الطبقة لان عالم الانتهازيين واسعا ودوافعهم وتسلكاتهم كثيرة ومتعددة بتعدد كثرتهم...

ومااكثرهم!!!

قبل أن نتحدث عن آخر طبقة من الانتهازيين تم اكتشافها ينبغي أن نذكر القارئ بما يعرفه من إن في المنعطفات وأوقات جني المكاسب < كما هو الحال في العراق الآن> تهب عادة موجة من الانتهازيين بمختلف المشارب والنوعيات يتزاحمون فيما بينهم ويزاحمون الكل على كل شيء ويقصون بالضرورة الآخرين، من هؤلاء< السذج> الذين اعتادوا أن يتقدموا في الملمات والظروف الصعبة। وأمر شائع كذلك إن الانتهازيين يرفعون، في هذه المنعطفات، عقيرتهم بالصراخ والهتاف لخلق تشوش لا يسمع فيه سوى أصواتهم وهتافاتهم وماركاتهم التجارية। وبديهي أنهم يتسللون عادة بخفة وشطارة لايمكن رصدها وبالتالي مواجهتها وفضحها مع إنها تدرك وتحس. لهذا سنحاول هنا الحديث عن مجموعة ممكنة التشخيص واعني بها( طبقة الفدراليين العرب) وهي آخر طبقة من الانتهازيين تم اكتشافها. ولمقتضيات التحديد نقول، إنها ليست منظمة أو اتحادا وإنما هي مجموعة من الكتاب والساسة السابقين والحقوقيين العاطلين يسعون في غايات مختلفة. بعضهم يبحث عن مكان له تحت الشمس وبعضهم الآخر يسعى مستكلبا للحصول على مكاسب مادية كوظيفة مستشار قانوني لحكومة إقليم كردستان مثلا، وبعضهم الآخر أدمن المديح والتملق فرماه مسعاه هذا على ضفاف الفدرالية. وهؤلاء إجمالا لا يدافعون عن حقوق الشعب الكردي، فهذه مسالة فيها اجتهادات وزوايا نظر، وهم لا يدانون هنا لأنهم يدافعون <ظاهرا> عن حقوق الشعب الكردي، وإنما لأنهم يدافعون عن مشاريع لساسة قوميين أكراد رهنوا القضية الكردية لرغباتهم وجعلوا منها معبرا لمصالحهم (وأمجادهم ). وتنبغي هنا ملاحظة أن هناك فرق مهم بين الحقوق كما هي في الجوهر وبين طروحات من يدعي تمثيلها. فالتاريخ قدم لنا حالات كثيرة تحولت فيها الحقوق إلى مشاريع فئوية وشخصية وبتفويض شرعي من أصحابها أحيانا.< هنا تتجسد حذاقة ومكر الخطاب الأيدلوجي> ولكي لا يساء فهمنا بتعمد، كما فعل احد الموتورين الذين ركبهم التعصب القومي فأعمى بصيرتهم ليجعلهم يقدمون، ذات يوم، أطروحة دكتوراه وهمية عن سينما كردية كل إنجازاتها حسب الاطروحة العتيدة هي فلمين للمبدع( يلماز غوناي). فنقول إن حقوق الشعب الكردي في تقرير المصير ليس لها شكلا واحدا محددا، وإذا اتفقنا على أن تكون الفدرالية هي شكلها ( التاريخي ) لهذه المرحلة فهو ليس بالشكل المتناقض والنفعي والمتحايل الذي يحاول أن يرسمه ويحدد أبعاده السياسيون الكرد الآن، وان الاعتراض على طبيعة هذا المشروع وكيف يدار هي ليست ضد حقوق واماني الشعب الكردي في الاستقلال وتقرير المصير. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما يفعله غالبية الكتاب والساسة الكرد من سعي للدمج ولخلق تماه مفتعل بين القضية وبين الساسة < الزعماء> هي محاولة مقصودة لمواجهة أي رد أو اعتراض على هؤلاء الساسة ومشاريعهم وتصويره وكأنه هجوما( شوفينيا قوميا) ضد حقوق الشعب الكردي.

ما علينا، لنعد الآن إلى انتهاز يينا الفدراليين।

فهؤلاء وبعد أن من الله عليهم بأضواء الفضائيات حيث صاروا ضيوفا شبه دائمين لها مما دفعهم لوقف إسهالهم الكتابي الذي أرهقوا القارئ به، قد اخذوا يروجون بالإعلام بطريقة ممجوجة لما نذروا أنفسهم إليه وهو الدفاع، بمناسبة وبلا مناسبة، عن مشروع القوميين الكرد السياسي، وهو مشروع بعيد عن الانتماء للوطنية العراقية، فصاروا حين تقول لهم < صباح الخير> يجيبك( الفدرالية للكرد) وحين يسأل( بضم الياء॥ ويفضل مط الهمزة كما يفعل الملالي) عن موضوع يخص حالة أو موقف سياسي يخص الوضع العراقي بعمومه يحرف إجابته ليكرر رأيا صار مملا من كثرة ترداده حول حقوق الكرد والفدرالية والى آخر اسطوانة اللغو المعروفة। وكثيرا ما يتلعثم هؤلاء ويقعون في التناقضات حينما تتم مناقشتهم بمسائل حساسة في الموضوع كقضية كركوك مثلا.
البعض من هؤلاء صار يحارب، بأشرس مما يفعل الكتاب القوميون الأكراد أنفسهم، كل رأي يحاول أن يناقش أطروحة الفدرالية، مما حدا باحدهم لوضع تصنيفه (الشهير) لمنتقدي الفدرالية وفندهم جميعا بلا رحمة، واخذ بعد ذلك يدبج الرسائل التفصيلية والتوجيهية (للزعماء) الكرد لينصحهم بما يجب أن يفعلوه। قبل ذلك كان احدهم قد بذل جهودا هائلة مستغلا توسطات زوجته وانتماءها القومي ليحصل على منصب، وقد حصل عليه، وصار قوميا كرديا أكثر من غلاة القوميين الكرد أنفسهم ووضع العلم الكردي (وهو علم أيدلوجي) على المكتب أمامه وليس وراءه كما يفعل كل الساسة الكرد। والأخير هذا كان بطبيعة الحال من الطبقة الراقية<الحريفة> من الفدراليين العرب الذين يعرفون من أين (تقضم) المناصب وليس كما هو حال صاحبنا قاضي قضاة الفدرالية المسكين الذي لم يحصل على شيء، غير الظهور الإعلامي، يمكن أن يعوضه فقدان ماء الوجه على الأقل.

هناك فدراليون كثر ولكننا لا نريد أن نثقل على القارئ بأكثر من هذا فهموم الحياة والوطن كثيرة ولا يجوز لنا أن نزيد على هموم الناس هموما أخرى।!!

ولكن... ارجوكم ! لا تنسوا ابدا الفدراليين العرب !!
السويد
2005

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

gghgjhggggg
hhhhhh