٢٠٠٧-٠٩-٢٦

وحدة العراق الوطنية



بدت فكرة المطالبة بحكومة وحدة وطنية، التي طالب بها البعض بعد أول انتخابات للجمعية الوطنية في العراق، متهافتة ومغالية في حلميتها لأنها كانت، وستبقى في المستقبل، إن استمرت الدعاوى لها، تتعارض كليا مع معطيات الواقع السياسي الجديد الذي تبلورت بعض من أبعاده في مسار العملية السياسية بعد سقوط النظام ألبعثي في نيسان 2003। كما إن تشكيل الحكومة العراقية الحالية، وأي حكومة في المستقبل القريب، لم ولن يكون بسبب استحقاق انتخابي وحسب وإنما، بالدرجة الأولى، نتاج لاستحقاق سياسي. والاستحقاق السياسي هذا لا يرتبط مباشرة بالمعادلة الرقمية التي توفرها شرعية الانتخابات، بكونها الإطار الرسمي للشرعية، وإنما في القدرة على التحرك داخل العملية السياسية بحلقاتها الدولية والإقليمية، وفي منظومة العمل والحراك السياسي في المجتمع العراقي. وقد أوصل مسار هذه العملية إلى مفارقة ـ تبدو منطقية في واقع سياسي واجتماعي متحرك وفي طور التشكل كما هو حال العراق الآن ـ مكنت قوى سياسية عجزت أو امتنعت عن المشاركة في الانتخابات من لعب دور متنامي في العملية السياسية، بينما أعجزت أطراف أخرى حصلت على شرعية انتخابية ومشروعية سياسية من التأثير في القرار السياسي والإداري. والواقع الجديد هذا يدعو الجميع لإثارة النقاش في قضية الوحدة الوطنية العراقية التي يعتبرها البعض أمرا بديهيا وتحصيل حاصل. بينما الواقع يؤيد القول بان الوحدة الوطنية هي ليست معطى نهائي يأتي مرة واحدة والى الأبد، كما إنها ليست قرارا سياسيا تتفق على محدداته الأطراف والقوى السياسية الفاعلة في المجتمع، وإنما هو نتاج وانعكاس لمخاض قد يكون عسيرا ومكلفا في بعض الأحيان، ولا يتحقق فعليا ويترسخ بغير ما دورة من التشرذم التي قد يرافقها الكثير من العنف الذي قد يبلغ حدود الحرب أو الحروب الأهلية بحسب خلفية ونوعية القوى والصراع الدائر بينها. والوحدة الوطنية كمفهوم وممارسة يختلف شكلها وتتباين مضامينها من طور إلى آخر، ومن دورة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال إن مفهوم وصورة الوحدة الوطنية التي حملتها القوى الوطنية العراقية، كمشروع سياسي قبل سقوط النظام البعثي اختلف شكلها وتباينت أبعادها بعد سقوط هذا النظام. ونستطيع أن نلمس هذا الاختلاف إذا ما نظرنا إلى طبيعة ما يجري الآن من تصارع سياسي في الساحة العراقية. فقد تكشف أن كل القوى السياسية الأساسية هي في الواقع تحمل مفهوما خاصا بها عن معنى الوحدة الوطنية يوظف في إطار مشروعها الحزبي ـ الفكري والأيدلوجي، بل إن مجمل أنشطة وطروحات هذه القوى أخذت تكرس المفهوم الفئوي الضيق قوميا أو مذهبيا،المتنافر مع مفهوم الوحدة الوطنية العقلاني الذي يضم الجميع تحت مظلته الواسعة. وهذا الأمر يؤكد إن التصارع والانقسام الاجتماعي والسياسي الجاري الآن على أسس قومية وطائفية، بعد التشرذم الفضائحي للهوية الوطنية العراقية، والذي أخذت ممارساته ومعانيه تتكرس بشكل مكثف مع تصاعد وتيرة العملية السياسية وتعقد استحقاقاتها، هو من الناحية العملية يجسد حالة من الصراع بين مشاريع سياسية متعددة تحمل مفاهيمها الخاصة للوطن وللوحدة الوطنية. فالأحزاب السياسية الشيعية ترى إن دولة شيعية تتحقق فيها مفاهيم دولة الحق والعدل الإلهي على بقعة جغرافية صغيرة < إن لم تتم مصادرة العراق كله لهذا المشروع> لهو أفضل بكثير من دولة عراقية ديمقراطية تحاول أن تساوي بين مواطنيها وتحقق عدلها الأرضي الواقعي المستند على متطلبات الحياة وليس على النص المقدس. ولايبتعد المشروع القومي الكردي عن ذات الإطار، إذ برزت لدى قواه الرغبة الجامحة في إقامة مشروع دولة كردية صغيرة، حيث تجسدت هذه النزعة في مجمل أنشطة القوى القومية الكردية، على حساب مشروع دولة عراقية كبيرة متماسكة بالديمقراطية وحقوق المواطنة. ولا يختلف عن هذا المنظور ما تقدمه الأطروحة السنية ـ إن جازت التسمية، إذا اعتمدنا تصنيف الكاتب العروبي<هارون محمد> حين ادعى إن السنة< مستهدفون من الحكومة والاحتلال الأمريكي لأنهم عروبيون ووطنيون> ـ التي تتضمن الإصرار على عروبة العراق، بنفس عنصري واضح، والتي لا تزال تعتبر قوى سياسية معينة ـ كالبعثيين وبقايا النظام ومؤسساته ـ هي عماد مشروعها ولا يمكن للوحدة الوطنية أن تتحقق، حسب اعتقادها، بدون تحقق هذين الشرطين. ولم تتاخر هذه القوى في تثبيت دعائم هذه المشاريع على الارض فقامت ببناء أسسها ودعائمها المادية وبشكل يتنافر تماما مع ما تعلنه من خطاب عن حرصها على وحدة العراق ووحدة شعبه. اذ تجري الان، بشكل متواصل، مقدمات تثبيت اسس الدولة الشيعية وقواعدها المادية في أبنية مؤسسات الدولة ككل وفي مدن الجنوب بشكل خاص، تمهيدا لفرضها كأمر واقع في أي لحظة تفترق فيها سبل العراقيين. ولا تزال القوى القومية الكردية تمارس تشكيل دولة الانفصال المستقبلية في اكبر تحشيد وتعبئة للطبقة السياسية الكردية وللمثقفين الكرد من اجل تثبيت دعائم هذا المشروع على ارض الواقع ليحمل نواة الدولة الانفصالية، متعكزين في ذلك على كل ما يسعفهم به التاريخ وفلسفة الحقوق من ممكنات. كذلك القوى السنية، بمشروعها العروبي، وان بدت حظوظها اقل في تشكيل كيان مادي لان طبيعة التفكير العروبي والقوميين العرب هو الاستيلاء على الأمة كلها، إلا أن ذلك لم يمنعها من تكريس وجودها وفعاليتها بالمناطق التي ترى انه من الممكن لها أن تشكل فيها كيانا ماديا مناسبا، وهي مناطق غرب العراق والموصل وجزء من العاصمة إذا ما استحال الحصول عليها كلها. ولا يخفى أن حرب الاتهامات المتبادلة والتشكيك المتواصل للإطراف ببعضها البعض يجعل الناظر يشكك بكل ادعاءاتها من حرص على الوحدة الوطنية. ويمكن حينها إدراج دعاواها للوحدة الوطنية ووحدة التراب العراقي في إطار محاولة ابطال اتهامات الآخر ونكاية الأطراف ببعضها البعض. وأكاد اجزم بأنه إذا ما لم تحصل معجزة ما، تحقق لنا وحدة وطنية حقيقية بطرق سلمية، فان حلم الوحدة الوطنية الوردي لن يتحقق واقعيا إلا بعد المرور بأعلى ذرى العنف باشتعال حرب أهلية نسمع الآن هسيس اشتعالها بخفوت ولكن بوضوح. فهل ستأتي هذه المعجزة لتنقذنا من زمن لاهب آخر يزحف نحونا؟
23-7-2005

ليست هناك تعليقات: